الشيخ محمد الصادقي

251

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

وللأرض مدان اثنان ، مدّ اوّل لإحيائها كما هنا وفي أضرابها : « وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ » ( 15 : 19 ) « . . وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » ( 50 : 70 ) . ومدّ ثان لإماتتها : « وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ، وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ » ( 84 : 3 ) واين مد من مدّ تعميرا وتدميرا ؟ . ولأن المدّ ليس إلّا عن انقباض فلتكن الأرض قبل مدّها منقبضة لا تحنّ لجعل جبال ورواسي أو إلقاءها عليها ، فضلا عن جعل الأنهار والثمرات ، فبمدها قرّت فغرّت لقرارة الحياة عليها : « اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً ( 40 : 64 ) وذلك هو ذلّها بعد شماسها : « هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ » ( 67 : 15 ) وفي ذلك كفاتها : « أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ، أَحْياءً وَأَمْواتاً ، وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً » ( 77 : 27 ) . ولأن الأرض كروية فمدها هو بسطها في حجمها ، وعلّه على أثر حركاتها الدورانية حين ذوبانها ، وقانون الفرار عن المركز يحكم بذلك الانبساط في جوانبها ، فانجماد سطحها ، وانبثاق أقسام منه هي أثقل من فوقها ، وهي جبالها الراسية في متن أديمها وأعماقها « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » ! ومن خلفيات جعل الرواسي جعل الأنهار حيث يدخر فيها من ثلج السماء وبردها وماءها خلالها ، فتشق من أطرافها وأكنافها أنهار يجري ماءها فيها ، أم تنبع نبعات في أكنافها فتجري أنهارا صغارا وكبارا . فجعل الجبال يتبنى مد الأرض كما مدّت ، وجعل الأنهار يتبنى جعل الجبال ، وجعل الثمرات يتبنى جعل الأنهار لأرض مستعدة للإثمار « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ! « وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ » تستغرق كل ما بالإمكان الراجح من مختلف